محمد بن جرير الطبري
128
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك حابس من مرض أو كسر أو خوف عدو فعليكم لإِحلالكم إن أردتم الإِحلال من إحرامكم ما استيسر من الهدي . وإنما اخترنا الرفع في ذلك ، لأَن أكثر القرآن جاء برفع نظائره ، وذلك كقوله : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ وكقوله : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وما أشبه ذلك مما يطول بإحصائه الكتاب ، تركنا ذكره استغناء بما ذكرنا عنه . ولو قيل موضع " ما " نصب بمعنى : فإن أحصرتم فأهدوا ما استيسر من الهدي ، لكان غير مخطئ قائله . وأما الهدي فإنه جمع وأحدها هديه ، على تقدير جديه السرج ، والجمع الجدي مخفف . حدثنا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ، عن يونس ، قال : كان أبو عمرو بن العلاء يقول : لا أعلم في الكلام حرفا يشبهه . وبتخفيف الياء وتسكين الدال من " الهدي " قراه القراء في كل مصر ، إلا ما ذكر عن الأَعرج ، فإن . أبا هشام الرفاعي ، حدثنا ، قال : ثنا يعقوب ، عن بشار ، عن أسد ، عن الأَعرج أنه قرأ : " هديا بالغ الكعبة " بكسر الدال مثقلا ، وقرأ : " حتى يبلغ الهدي محله " بكسر الدال مثقلة . واختلف في ذلك عن عاصم ، فروي عنه موافقة الأَعرج ومخالفته إلى قراءه سائر القراء . والهدي عندي إنما سمي هديا لأَنه تقرب به إلى الله جل وعز مهديه بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربا بها إليه ، يقال منه : أهديت الهدي إلى بيت الله فأنا أهديه إهداء ، كما يقال في الهدية تهديها الرجل إلى غيره : أهديت إلى فلان هدية وأما أهديها . ويقال للبدنة هدية ، ومنه قول زهير بن أبي سلمى يذكر رجلا أسر يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى : فلم أر معشرا أسروا هديا * ولم أر جار بيت يستباء القول في تأويل قوله تعالى وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أحصرتم فأردتم الإِحلال من إحرامكم ، فعليكم ما استيسر من الهدي ، ولا تحلوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتى يبلغ الهدي الذي أوحيته عليكم لإِحلالكم من إحرامكم الذي أحصرتم فيه قبل تمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه محله وذلك أن حلق الرأس حلق رأس المحصر إحلال من الإِحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه ، فنهاه الله عن الإِحلال من إحرامه بحلاقه ، حتى يبلغ الهدي الذي أباح الله له الإِحلال جل ثناؤه بإهدائه محله . ثم اختلف أهل العلم في محل الهدي الذي عناه الله جل اسمه الذي متى بلغه كان للمحصر الإِحلال من إحرامه الذي أحصر فيه . فقال بعضهم : محل هدي المحصر الذي يحل به ويجوز له ببلوغه إياه حلق رأسه ، إذا كان إحصاره من خوف عدو منعه ذبحه إن كان مما يذبح ، أو نحره إن كان مما ينحر ، في الحل ذبح أو نحر أو في الحرم حيث حبس ، وإن كان من غير خوف عدو فلا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة . وهذا قول من قال : الإِحصار إحصار العدو دون غيره . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية ، فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم ، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت ، وقبل أن يصل إليه الهدي محل هدي المحصر . ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ، ولا أن يعودوا لشيء . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك ، عن نافع : أن عبد الله بن عمر خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة ، فقال : إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأهل بعمرة من أجل أن النبي كان أهل بعمرة عام الحديبية . ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال : ما أمرهما إلا واحد . قال : فالتفت إلى أصحابه فقال : ما أمرهما إلا واحد ، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع حكم العمرة . قال : ثم طاف طوافا واحدا ، ورأى أن ذلك مجز عنه وأهدى محل هدي المحصر . قال يونس : قال ابن وهب : قال مالك : وعلى هذا الأَمر عندنا فيمن أحصر بعدو كما أحصر نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت . قال : وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت ، فقال : يحل من كل شيء ، وينحر هديه ، ويحلق رأسه حيث حبس ، وليس عليه قضاء إلا أن يكون لم يحج قط ، فعليه أن يحج حجة الإِسلام . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا مالك ، قال : ثني يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار : أن عبد الله بن عمر ومروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي ، وصرع في الحج ببعض الطريق ، أن يبدأ